First Published 2010-07-21


حسين علي محمد الأول من اليمين وبجواره الشاعر الراحل إبراهيم عيسى

حسين علي محمد .. فراق آخر

 
كنا نحاول أن نجد في الغربة أي سبب للضحك والتأويل الساخر لتمر أيامنا بأقل قدر من الجهامة.

ميدل ايست اونلاين
كتب ـ أحمد فضل شبلول

لم أكن أعلم أن الشاعر والناقد الصديق الدكتور حسين علي محمد قد أصيب بجلطة دماغية أثناء عمله بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، تم نقله على إثرها إلى المستشفى العسكري بالرياض، إلا بعد أن أبلغني الصديق الكاتب الصحفي مصطفى عبدلله ـ عن طريق الإيميل ـ بأن الشاعر قد رحل منذ سويعات، وأنه سيدفن في السعودية كما ذكر له أهله بديرب نجم بمحافظة الشرقية في مصر.

أسقط في يدي، وقلت هذا موسم رحيل الشعراء والمفكرين والمثقفين، إنهم يتساقطون تباعا: محمد عفيفي مطر، محمد عبدالسلام العمري، نصر حامد أبوزيد، فاروق عبدالقادر، والقائمة تطول، وهناك من ينتظر.

تزامن وجودي للعمل في جامعة الملك سعود بالرياض مع وجود د. حسين علي محمد للعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المدينة نفسها، حيث كان يعمل ضمن أعضاء هيئة التدريس، وأنا كنت أعمل في النشر العلمي والمطابع. ولكن معرفتي به شاعرا وصديقا تعود إلى منتصف السبعينيات، فنحن أبناء جيل شعري واحد، وكانت رؤيتنا للشعر تتقارب في كثير من الخطوط والملامح.

وكان ثالثنا الشاعر الدكتور صابر عبدالدايم ابن الشرقية الذي وصل إلى منصب عميد كلية الدراسات العربية بجامعة الأزهر بالزقازيق. وكان يأتي أستاذا زائرا بين الحين والآخر لجامعة الإمام محمد بن سعود، ويقيم في شقة د. حسين علي محمد بمنطقة غبيرة بالرياض، ونلتقي صباح كل جمعة في منزله.

أيضا أتذكر صديقا آخر عرفته من خلال د. حسين علي محمد وهو الدكتور الراحل محمد داود الذي أقام فترة أيضا أثناء عمله في الرياض في شقة الدكتور حسين.

وعندما صدر ديوان شعر الأطفال "مذكرات فيل مغررو" للدكتور حسين علي محمد عن رابطة الأدب الإسلامي العالمية عام 1993، وجدت أن الشاعر يتحدث عن فيلين، هما فيل أبرهة، والفيل الوفي الذي ساعد امراة أرمل في العبور إلى مكان آمن بعد أن اجتاح الفيضان أرضها، وكانت هناك عناصر درامية رائعة استطاع الشاعر أن يغذي قصيدتيه بها، وأن يقرب عالمهما للأطفال الذين يتوجه إليهم الديوان، وهم في الغالب فوق الـ 9 سنوات، فكتبت دراسة مطولة عن الديوان.

وعندما نشرت الدراسة تحت عنوان "حسين علي محمد بين فيلين" في جريدة الجزيرة السعودية، وقرأها من كان يقيم معه في شقته وهما: د. صابر عبدالدايم، ود. محمد داود، لم يملكا نفسيهما من الضحك، واتصلا بي ضاحكين وسألاني من فيهما الفيل المغرور ومن الفيل الوفي، فلم أفهم سر الضحك وسر السؤال، إلا بعد زيارتي لهم صباح الجمعة التالية للنشر والاتصال فأخذت أضحك بشدة لهذا التأويل الذي لم يخطر على بالي أثناء الكتابة بطبيعة الحال وأثناء اختيار عنوان الدراسة.

وهكذا كنا نحاول أن نجد في الغربة أي سبب للضحك والتأويل الساخر لتمر أيامنا بأقل قدر من الجهامة.

عدت إلى عملي في مصر عام 1998 واستمر حسين علي محمد في العمل بالرياض، حيث لم يكن له مصدر عمل في مصر بعد حصوله على الدكتوراه عن "البطل في المسرح الشعري" وتقديم استقالته من التدريس بمدارس التربية والتعليم، ومن ثم جاء عمله بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية موافقا لتطلعاته الأكاديمية، وكنت ألتقي به دائما في كل زيارة أقوم بها للرياض بعد العودة النهائية، سواء من خلال دعوات رابطة الأدب الإسلامي، أو معرض الرياض الدولي للكتاب، أو مهرجان الجنادرية، وفي كل مرة أذهب إلى بيته بغبيرة، ونستعيد ذكرياتنا القديمة في وجود بعض الأصدقاء المصريين والسعوديين، ويسألني: ألا تحن للعمل في الرياض مرة أخرى، ويذكر لي عدة جهات ممكن أعمل فيها. ولكنني كنت اعتذر له، بحجة أن الظروف غير مناسبة في هذا الوقت، إلى أن جئت للعمل في مجلة "العربي" بالكويت، فأرسل لي يهنئني بل كتب تهنئة إلكترونية في عدد من المنتديات والمدونات.

للدكتور حسين علي محمد إسهامات أدبية وثقافية ومؤلفات شعرية ونقدية كثيرة، إلى جانب إسهامه كناشر أيضا، فقد أسس في أبريل/نيسان عام 1980 سلسلة "أصوات معاصرة" وشاركتُ في مجلس تحريرها مع كل من الشاعر الراحل عبدالله السيد شرف، ود. صابر عبدالدايم، والشاعر بدر بدير حسن، ومحمد العربي السبع، وأصدرتْ هذه السلسلة كتبا كثيرة لكتاب مصريين وسعوديين وجنسيات عربية أخرى. وقد تولى إدارتها مؤخرا الأديب مجدي جعفر ومجموعة من الأصدقاء.

كنا ندفع من جيوبنا لإصدار هذه السلسلة وانتظام صدورها بدون توقف، وكان حسين علي محمد يتكبد القسط الأكبر من التكاليف، وسنعمل إن شاء الله على مواصلة صدور السلسلة بعد رحيل مؤسسسها المفاجئ.

وعندما اكتشفنا الكمبيوتر وشبكة الإنترنت وجد الشاعر الراحل خلاصه في الشبكة العنكبوتية فكان يقضي جل أوقاته ـ عدا وقت التدريس والنوم تقريبا ـ أمام شاشة الكمبيوتر كاتبا وقارئا وناشرا ومتحدثا، وأسس لنفسه مدونة قيمة باسمه "مدونة الدكتور حسين علي محمد" تحتوي على شتى فنون الأدب والنقد والصحافة الأدبية، وبلغ عدد زوارها حتى اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال أكثر من نصف مليون زائر، وبالتحديد 558,716 زائرا.

والسيرة الذاتية والأدبية للدكتور حسين علي محمد طويلة وعامرة بالإنجازات الأدبية والنقدية، ومن أراد أن يتصفحها يجد لها روابط عدة على شبكة الإنترنت، منها هذا الرابط في موقع "ديوان العرب":

http://www.diwanalarab.com/spip.php?article10239

رحم الله الشاعر الراحل حسين علي محمد، وغفر له وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

أحمد فضل شبلول ـ الكويت

مقال سابق للشاعر الراحل

الحب الذي كان: مختارات شعرية من شبه القارة الهندية