First Published 2010-07-23![]() خبيئة موروثة من كنوز سوريا القديمة سريان حاليون وموارنة من أصول عربية
ميدل ايست اونلاين
لقد انساحت قبيلة تغلب ببطونها العديدة، وأقول انساحت وليس هاجرت ولا غزت لأنه استيطان مديد الزمن، من شط العرب حتى ديار بكر وما علاها. وبحكم الجوار ستتحدث بلغة المنطقة وتدين بديانتها ومذاهبها نتيجة التثاقف.
غير أن العرب الوافدين ما كانوا ليرتضوا مذهب الكنيسة البيزنطية، بل كانوا يعتنقون إما المذهب النسطوري في العراق، وأما المذهب السرياني/ المونوفيزي في بلاد الشام.
كانت كنيسة بلاد مابين النهرين، الواقعة فيما وراء حدود الإمبراطورية الرومانية، تابعة للكرسي الإنطاكي. وقد سُمي كبير أساقفتها، في تاريخ متقدم: الجاثليق. اللقب الذي كان يطلق في الإدارة المدنية على نائب حاكم الولاية. وأصبح في آخر الأمر لقباً خاصاً بأسقف سلوقية. واتخذه أساقفة سلوقية بعد الانشقاق النسطوري لقباً خاصاً برئيس الطائفة النسطورية.
المناذرة كانوا نساطرة، وأغلب سكان الحيرة نساطرة. وكلمة الحيرة سريانية: حيرتا/ حيرتو: تعني الحَضَر. وقد أسست هند بنت الحارث أم الملك عمرو بن المنذر ديراً في الحيرة التي كان يستخدم فيها السريانية والعربية. وورد اسمها في مجمع كنسي عُقِدَ عام 410 حيث اشترك أسقفها فيه ووقع على القرارات باسم "هوشع أسقف حيرتا".
أما سوريا فقد بدأ استيطان العرب فيها منذ القرن الثاني للميلاد، وأنشأوا إمارات في حمص وتدمر والبتراء وفي خوانق لبنان وجنوب الشام وسهول حوران وتمثلوا لغة السوريين وحضارتهم وعبادتهم. وكانوا يستخدمون اللغة الآرامية/ السريانية في مراسلاتهم.
وقد تعرضت مدينة حماه إلى غزوات متبادلة ما بين المناذرة والغساسنة، نتيجة تحالفاتهم مع الفرس والبيزنطيين، فقد استولى عليها المناذرة عام 554 بعد انتصارهم على الغساسنة في معركة "يوم حليمة"، ثم خضعت بعدها للغساسنة في عهد "الحارث بن جبلة"، وكان البعض من القبيلتين يستقر زمناً في حماه وتخومها.
وكان القديس سمعان العمودي، في جبل سمعان يعطي النصائح للذين يأتون من أطراف جزيرة العرب لاستشارته. وكان في حوران أسقف للعرب اسمه بيرللوس مقره بصرى. كما سبق أن امتد اضطهاد الامبراطور دقليانوس ليصيب مسيحيي الديار العربية.
ولا بأس في ذكر ما فعله الحارث الغساني الذي لم يقبل أن يتنصر أمام قيصر بيزنطة الذي كان من أتباع مذهب الطبيعتين إلا وفق مذهب الطبيعة الواحدة. وقد سافر الحارث الغساني مرة أخرى إلى القسطنطينية في عام 563 ليفاوض القيصر على تولية أولاده من بعده. فطلب تعيين أسقفين كرّسهما بطريرك الإسكندرية أساقفة للمقاطعات العربية، هما يعقوب البرادعي الذي حصل على الرها كمركز أسقفي مع سلطة قضائية على سوريا والديار العربية، وتيودوروس الذي كان أسقفاً متجولاً بين الحيرة وفلسطين. أي كانا أسقفين واحد للحضر والثاني للمدر كما تقول العرب. وكان المنذر بن الحارث متحمساً لعقيدته، وبذل مثل أبيه المجهود نفسه للدفاع عن مذهب الطبيعة الواحدة بين العرب. فيما بعد نصّب جوستنيان الحارث بن جِبِلّّة رئيساً على العرب (رئيساً لا ملكاً) وقَبِلَ منه أن يكون على مذهب الطبيعة الواحدة.
أصبحت نصيبين (ديار ربيعة) عام 301 مقر كرسي أسقفي. وثاني أسقف لها هو مار يعقوب، وقد شهد مجمع نيقية، ثم أنشأ مدرسة في نصيبين، على غرار مدرستي إنطاكية والإسكندرية، هدفها نشر وتعليم اللاهوت بين المسيحيين الذين يتكلمون السريانية. فهل هناك من يعرف أو يهتم ما إذا كان مار يعقوب سليل أسرة آرامية أم عربية تنصّرت؟ إنما كان له بالتأكيد وجوده التاريخي المتميز.
في اواخر القرن الرابع نشطت الترجمة من اليونانية إلى السريانية. وخلال القرن الخامس حدثت حركة إحياء العلوم. وأضحت الرها مركزاً لها عند المتكلمين بالسريانية. وعقب اضطهاد النساطرة أغلق الإمبراطور البيزنطي زينون في عام 489 مدرسة الرها وهدم مدرستهم. فهاجروا إلى فارس حيث مُنِحَت النسطورية حماية القصر الفارسي.
رحب الملك الفارسي بالعلماء وخصص لهم مدينة جنديسابور التي تمتع سكانها بالحرية الدينية. وكان فيها كنيستان يقام في إحداهما القداس باللغة اليونانية وفي الأخرى باللغة السريانية.
بعد ذلك بحوالي نصف قرن أغلق جوستنيان مدارس أثينا، فتشتت فلاسفتها، ورحّب بهم أنوشروان، والتحق قسم بجنديسابور التي اشتُهِرَت بالطب بخاصة، ولم يكن يُدَرّسُ نظرياً فقط بل عملياً أيضاً. ومن المرجح أن العربية كانت معروفة في جنديسابور لقربها من الحيرة. على كل حال كان الأطباء بعد الفتح بقليل يستعملون اللغة العربية.
من الجانب الآخر، الروم الملكانيون في غالبيتهم آراميون اختلطت بهم بعض البطون العربية. بالتالي فهم سريان وفق التسمية القديمة، لكنهم اعتنقوا مذهب الطبيعتين الذي دانت به القسطنطينية، فطبعهم اسم الدولة بطابعه. مع العلم أن الغرب كان وما يزال يدعوهم باليونان Grecoأرثوذكس وكاثوليك، وكذلك كان المؤرخون العرب المسلمون يفعلون.
في مجمع خلقيدونية 451 جرى الاعتراف بانتماء الكنيسة العربية إلى الكرسي الإنطاكي. وأدى دخول العرب في الرئاسات الكنسية إلى اندماجهم في الثقافة اليونانية، منهم: طيطوس القرن الرابع، انتيباتر القرن الخامس، اصطفانوس القرن السادس. كما كان هناك أساقفة من حمص اعتلوا السدة البابوية في روما وهم: القديس أنيست ويوحنا الخامس والقديس جورجيوس الأول وغريغوريوس الثالث وتيودور الأول. فهل من ضرورة للتساؤل عن أرومة أحدهم، أم هل هناك من يعرف، ما إذا كانت ترجع إلى جماعة آرامية متنصرة أم إلى إحدى العشائر العربية التي اعتنقت النصرانية وغدت مسيحية وتحدثت بالآرامية إلى جانب العربية؟ أم إن أخواله من هذه أو تلك؟ أم يكفينا بكل بساطة أنهم أبناء حضارة هذه المنطقة والمنصب الذي حملوا أعباءه من صميم دين نشأ وترعرع فيها.
والآن: إذا قال مسيحي سرياني أجدادي يتحدرون من قبيلة عربية. فهل لنا أن لا نصدقه؟ وكذلك إذا قال مسيحي ملكاني {أرثوذكسي أو كاثوليكي} أجدادي سريان/ آراميون. وعندما يقول مسلم أجدادي آراميون تنصروا في العهد البيزنطي وبقوا كذلك إبان الدولتين الأموية والعباسية، ومن ثم أسلموا بعد حروب الفرنجة فكيف لا نصدقه؟
أليس من المنطقي أن يرى السوري في نفسه وارث جميع ما مضى بأكمله، متلبسا بالحضارة العربية الإسلامية التي أسهم الآراميون والعرب المسيحيون في بناء صرحها. تلك الحضارة التي احتضنت كل ما وجدته وحافظت عليه لأنها ما كانت يوماً حريصة سوى على الوحدة عبر التنوع.
في الجانب الثالث نلقى الموارنة الفرع الثالث من أرومة الشجرة السريانية القديمة. لقد ظلّ الموارنة مع الكرسي الإنطاكي وقبلوا قرارات المجمع الخلقيدوني451. وبعد أن حكم المجمع السادس القسطنطيني 680 بوجوب الاعتقاد بطبيعتين ومشيئتين نزحت جماعة من الموارنة أصحاب التعليم بالطبيعة الواحدة إلى فينيقية، واعتصموا بجبل لبنان، حيث وجدوا ملاذاً لهم برعاية الراهب مار يوحنا مارون الذي أصبح أول أسقف لهم عام 685. من هنا يمكن فهم لماذا أسموا فيما بعد "عرب الجبال".
في عهد المماليك رحل قسم من الموارنة من لبنان إلى مصر، وبقوا فيها إلى أن خيّرهم الملك الأشرف خليل بن قلاوون عام 1191 بين العودة إلى لبنان أو التوجه إلى قبرص. فتوجهوا إلى الجزيرة وانضموا إلى البابوية في عام 1445.
في الختام نذكر أن علماء الأنتربولوجيا يتحرجون من نسبة الشعوب والأمم عرقياً/ إثنياً بل يفضلون الكلام عن مجموعات لغوية – ليست السامية الأسطورية من بينها طبعاً – من هنا يغدو من حق الجميع، دون استثناء، التمسك بأهداف الثقافة التي نشؤوا عليها، والحفاظ على استمرارها. إذ ليس من حق أي حضارة، مهما علا شأنها، نكران أي مقوم ثقافي من مقوماتها ينطق بغير لغتها. فبلادنا اعتادت تاريخياً الازدواجية اللغوية، والثنائية اللغوية، من أن بدأت الكتابة بالأبجدية الآرامية.
حسن الصفدي ـ سوريا
|